عبد الكريم الخطيب
591
التفسير القرآنى للقرآن
وهذه نظرة أخرى ، بعد هذه النظرات التي دارت في هذا الوجود ، ورأت ما رأت من آيات اللّه ، وكشفت ما كشفت من جلاله ، وعظمته ، وقدرته . وهذه النظرة تتجه إلى تلك الفلك التي تجرى في البحر . . إن جريانها آية من آيات اللّه ، لا يراها إلا كل « صبار » على ما يلقى من شدائد ، فلا ييأس من روح اللّه ، ولا يجحد حكمته فيه ، وإحسانه إليه ، وابتلاءه بالخير والشر . . فيصبر على البلاء ، ويشكر على العافية . . - وفي قوله تعالى : « بِنِعْمَتِ اللَّهِ » - إشارة إلى أن الفلك تجرى مدفوعة بنعمة اللّه ، ومسيّرة بقدرته . . فالباء هنا للاستعانة ، كما تقول : استدفأت بالنار ، وتطهرت بالماء . . وعلى هذا يكون الجار والمجرور متعلقا بقوله تعالى : « تَجْرِي » وتكون نعمة اللّه ، هي الريح ، التي تدفع الفلك . . ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا متعلقا بمحذوف ، وتقديره ، تجرى محملة بنعمة اللّه ، أي بما تحمل من تجارات ، تنقلها من مكان إلى مكان . . - وفي قوله تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ » - إشارة إلى أن آيات للّه ، لا يراها ، ولا ينتفع بها إلا أهل الإيمان الوثيق باللّه ، الذين إذا أصابهم الضرّ صبروا ، وإن أصابهم الخير شكروا . . وصبار : صبغة مبالغة : أي كثير الصبر ، وذلك في جميع الأحوال ، التي يبتلى فيها الإنسان بما يكره . . والشكور : للمبالغة أيضا . . أي كثير الشكر ، الذي يستقبل كل نعمة من نعم اللّه بما تستأهل من حمد وشكران . .